مؤيد الدين الجندي

452

شرح فصوص الحكم

يعني في النظر العقلي « فاكتفى بالأبعد « 1 » المحدود عن الأقرب المجهول الحدّ ، فترجم الحق لنا عن نبيّه هود عليه السّلام مقالته لقومه بشرى لنا [ وترجم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الله مقالته بشرى ] فكمل العلم * ( في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) * « 2 » * ( وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ ) * « 3 » ، فإنّهم يسترونها - وإن عرفوها - حسدا ونفاسة وظلما ، وما رأينا قطَّ من عند الله في حقّه - تعالى - في آية أنزلها أو إخبار عنه أو صله إلينا فيما يرجع إليه - تعالى - إلَّا بالتحديد تنزيها كان أو غير تنزيه ، أوّله العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء ، فكان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق ، ثم ذكر أنّه استوى على العرش ، فهذا أيضا تحديد ، ثمّ ذكر أنّه ينزل إلى سماء الدنيا ، فهذا تحديد ، ثم ذكر أنّه في السماء ، وأنّه في الأرض ، وأنّه معنا أينما كنّا إلى أن أخبرنا أنّه عيننا ونحن محدودون ، فما وصف نفسه إلَّا بالحدّ ، وقوله : * ( لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ ) * « 4 » حدّ أيضا - إن أخذنا الكاف زائدة لغير الصفة - ومن تميّز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس عين هذا المحدود ، فالإطلاق عن التقييد تقييد والمطلق مقيّد بالإطلاق لمن فهم . وإن جعلنا الكاف للصفة ، فقد حدّدناه . وإن أخذنا « ليس كمثله شيء » على نفي المثل ، تحقّقنا - بالمفهوم وبالإخبار الصحيح - أنّه عين الأشياء ، [ غير هذا المحدود ] » « 5 » . قال العبد : يشير - رضي الله عنه - إلى ما يخطر لبعض المحجوبين [ من ] أنّ الحق إذا كان عين سمع أو بصر ، كان محدودا بحدّه وهو غير محدود ، فعرّف - رضي الله عنه - أنّ الأمر أعظم ممّا توهّم تنزيهه الوهميّ ، وأوسع وأجل عن التقيّد بالمدرك الفكري ، فإنّه الحقيقة التي من شأنها أن تكون عين الكلّ ، فلا يتقيّد بحدّ ولا يتحدّد بما ميّزه هو بتنزيهه عن أن يكون عين المحدودات ، فإنّه لو كان في معيّن بالتعيين أو معيّنا متميّزا عن غيره ،

--> « 1 » في بعض النسخ : بذكر الأبعد . « 2 » العنكبوت ( 29 ) الآية 49 . « 3 » العنكبوت ( 29 ) الآية 47 . « 4 » الشورى ( 42 ) الآية 11 . « 5 » ما بين المعقوفين - الموجود في النسختين - غير موجود في أكثر النسخ .